التحالف الغادر-الصفقات السرية-إسرائيل-إيران و أمريكا

 

الحلقة الأولى

طريق الخميني نحو القدس تمرّ عبر كربلاء

 

“قاوم” خاص – يعتبر تريتا بارسي Trita Parsi (الكاتب الأمريكي- الإيراني المولد) من أبرز المتخصصين في الشؤون السياسية الإيرانية، وهو حاليًا أستاذ محاضر لمادة العلاقات الدولية في جامعة “جون هوبكينز” الذائعة الصيت. كما يشغل بارسي منصب رئيس المجلس الإيراني – الأمريكي. وللكتاب عدة إصدارات، ولكن يبقى كتابه الأول Treacherous Alliance: The Secret Dealings of Israel, Iran, and the United States، أيقونة إنتاجه بسبب ما أحدثه من صدمة واسعة للأوساط السياسية العالمية. وقد صدر في العام 2007 عن جامعة «يال»، وجاء كنسخة منقحة ومعدلة وموسعة من أطروحة الدكتوراه الخاصة به والتي ناقشها في جامعة «جون هوبكينز» عن حقيقة العلاقات الإيرانية-الإسرائيلية.

 

إلى جانب أنّه كتب في الولايات المتحدة الأمريكية وصدر بالإنجليزية. تكمن أهمية الكتاب في المصادر والمراجع التي استعملت فيه؛ وتشمل مئات الوثائق والإصدارات والتصريحات المتنوعة التي قام الكاتب بالعمل عليها، بالإضافة الى مقابلته شخصيًا لما يقارب من 130 مسؤولاً رسميًا إسرائيليًا وإيرانيًا وأمريكيًا. يتميّز هذا الكتاب الصادر في الولايات المحدة بالمهنية العالية لجهة التحليل الموضوعي والذي يرتكز على قراءة علمية للعلاقة المثلثة الأضلاع التي تجمع اسرائيل، والولايات المتحدة، وإيران.

 

 

ويستنتج الكاتب أنّ هناك فارقًا شاسعًا “ما بين الخطاب الشعبوي المعدّ للإستهلاك المحلي، وبين المحادثات والاتفاقات السريّة التي يجريها الأطراف الثلاثة خلف الستارة ومن خلال القنوات السرية” وفق ما سرده من أحداث موثّقة بدقة عبر 382 صفحة من الكتاب. ووفق هذا التحليل، فالمصالح الإستراتيجية بين إميركا وإيران وإسرائيل تتقاطع في أكثر من مفصل وتحكمها البراغماتية لا غير، بعيدًا عن أي خطاب أيديولوجي.

 

إسرائيل: إيران لم تشكل أبدًا خطرًا علينا، بل هي حليف طبيعي … الخطر هو من انتصار العراق

 

في الفصل العاشر من الكتاب، يسرد الكاتب مجريات العلاقة بين إسرائيل وإيران خلال حرب هذه الأخيرة مع عراق صدام حسين. وكان الكتاب أشار في عشرات المرات إلى أن إسرائيل لم تعتبر يومًا أنّ إيران تشكل أي خطر على كيان اليهود، وبحسب مقابلة أجراها الكاتب مع وزير الخارجة الإسرائيلية الأسبق ديفيد كيمحي في تل أبيبب في 22 تشرين الأول من العام 2004 فإنّ “العراق دولة عربية تسعى لتحلّ مكان مصر باعتبارها رائدة التطلعات العربية، ولذا كان لدينا تخوّف هائل من العراق ومن نتيجة حربه مع إيران. أمن إسرائيل كان مهددًا وشعرنا أننا قد نفعل كل شيء لمنع العراق من الانتصار في الحرب ضد إيران، وكنا على يقين أنّ الأسلحة المقدمة من جانبنا لإيران لا يمكن أن تستخدم يومًا ضد إسرائيل”.

 

ولذا لم يكن أي انتصار إيراني يقلق تل أبيب، في حين أن النصر العراقي سيعني سيطرة بغداد على الخليج العربي وهذا ما لا يمكن أن تتحمله الدولة العبرية (ص 105). فإلى جانب تزويد ايران بالسلاح، سعت إسرائيل الى تخفيف الاحتقان بين واشنطن وطهران في كثير من الأحيان، بحسب أيتمار رابينوفتش المستشار السابق لرابين والسفير الإسرائيلي لدى واشنطن.

 

“في فترة الثمانينات، لم يكن هناك أحد في إسرائيل يلفظ كلمة تهديد إيراني”، بحسب الخبير البروفيسور ديفيد مناشري من جامعة تل أبيب. واستمرت غالبية كبار المسؤولين الإسرائيليين، بما في ذلك إسحق رابين، إلى الاعتقاد بأن إيران هي “حليف طبيعي” (ص 106). وينقل الكتاب أنّه عقب مضي ثلاثة أيام على دخول القوات العراقية الأراضي الإيرانية، أوقف وزير الخارجية الإسرائيلية موشيه دايان زيارة خاصة إلى فيينا لعقد مؤتمر صحافي لحث الولايات المتحدة (في منتصف أزمة الرهائن الأمريكيين) لنسيان الماضي ومساعدة إيران وتمكنيها من الدفاع عن نفسها.

 

انتقلت إسرائيل بسرعة للعمل على عدة جبهات دعمًا لإيران. في زيوريخ، التقى المسؤولون الإيرانيون بالإسرائيليين لإبرام صفقة أسلحة. العقيد الإسرائيلي بن يوسف ونظيره الإيراني العقيد الزرابي، مدير الإنتاج الصناعي العسكري، لمناقشة العديد من المقترحات، بما في ذلك اتفاق سيسمح للفنيين الإسرائيليين تدريب الجيش الإيراني في إعادة تجهيز إيران لوجستيًا، وتأمين العتاد وقطع الغيار للأسلحة الأمريكية الصنع التي لدى إيران. وكل ذلك نقلاً عن الصحافي الفرنسي بيار بان والذي أشار إلى أنّ بعض المستشارين الإسرائيليين زاروا جبهة القتال الإيرانية ليقيموا القدرات والحاجات التي لدى الجيش الإيراني.

 

من خلال سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، أفرايم إيفرون، ضغط وزير الخارجية إدموند موسكي على تليين إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، تجاه مبيعات الأسلحة إلى طهران، وتراجع مناحيم بيغن (رئيس حكومة إسرائيل) عن الوعد الذي قطعه لكارتر واستأنف مبيعات الأسلحة وقطع الغيار لطهران. في العام 1981، عاد أرئيل شارون والتقى في واشنطن وزير خارجية أميركا ألكسندر هيج، ووزير الدفاع كاسبار واينبرغر، ومدير وكالة المخابرات المركزية وليام كيسي، وطرح ضرورة دعم إيران. في سيرته الذاتية ، كتب شارون أن إيران مهمة كدولة رئيسية في المنطقة وعلينا الحفاظ على اتصالات أقله على مستوى منخفض مع حكومة الخميني، وخاصة مع الدوائر العسكرية في طهران. وبحسب تحليلات بارسي، فإنّ البعد الاستراتيجي لعلاقة إسرائيل بإيران هي الرغبة باستئناف التعاون الذي كان مع الشاه، ولأنّ أي هزيمة إيرانية من شأنها تعزيز الجبهة العربية ضد إسرائيل.

                                                                                                             

حين أرشدت إيران طيران إسرائيل لضرب النووي العراقي … واشترت منها أسلحة بـ 500 مليون

 

في الصفحة 106 من الكتاب، يميط الكاتب بارسي اللثام عن مجال آخر من أوجه التعاون بين إيران وإسرائيل ضد دول عربية هي العراق. فيشير إلى أنّ الاتصالات المكثفة لإسرائيل مع الجيش الإيراني هي التي مهدت الطريق لتدخل إسرائيل الأكثر حسمًا خلال الحرب. فيوم 7 تموز 1981، قام سرب من ثماني طائرات إسرائيلية F- 16S وست مقاتلات من طراز F- 15S، بالاتجاه من قاعدتهم في عتصيون لتنفيذ ما عرف باسم عملية أوبرا . وكان الهدف من مهمتهم تدمير المفاعل العراقي أوزيراك الذي يعمل بالبلوتونيوم، والذي كان يشتبه في تطويره أسلحة الدمار الشامل. الطيران الإسرائيلي دمرّ بسرعة ودقة موقع المفاعل ، ووضع حدًا للبرنامج العراقي النووي الذي بدأ قبل عدة سنوات. جميع الطائرات عادت سالمة إلى إسرائيل ولكن الفضل بنجاح العملية يعود لإيران. فوفقًا لصحيفة صنداي تليجراف في لندن، فإن الصور والخرائط الإيرانية والتي قدمت لإسرائيل هي من منحت الطيران المعادي القدرة على تنفيذذها بدقة. وكان ذلك قد تمّ التنسيق له قبل شهر واحد في اجتماع عقد في فرنسا بين مسؤول إسرائيلي كبير وبين ممثل للخميني.

 

وفقًا لآري بن منشيه، الذي كان مشاركًا عن كثب في الاتصالات الإسرائيلية-الإيرانية في أوائل الثمانينات، فإنّه خلال الاجتماع شرح الإيرانيون للإسرائيليين تفاصيل الهجوم الفاشل الذي قاموا به على موقع المفاعل النووي في 30 أيلول عام 1980 أي العام السابق. كما وافقت السلطات الإيرانية على السماح للطائرات الإسرائيلية بالهبوط في مطار تبريز الإيراني في حالة وقوع أي حالة طارئة.

 

وبعد شهر، في 18 يوليو، تحطمت طائرة شحن أرجنتينية تحمل أسلحة إسرائيلية موجهة لإيران قرب الحدود التركية السوفييتية، ما خلق ضجة دولية كبيرة. وإذ نفت كل من إيران وإسرائيل القضية، إلا أن الدعم الإسرائيلي لإيران لم يتوقف. وفقًا لأحمد الحيدري، وهو تاجر أسلحة إيرانية عمل لصالح نظام الخميني، فإنّ ما يقرب من 80 في المئة من الأسلحة المشتراة من قبل طهران كان مصدرها إسرائيل (ص105).

 

وكان شحنات مبيعات الأسلحة توجه دون هوادة من تل أبيب إلى طهران عبر قنوات عدة. فقد قامت إيران بشراء ما تزيد قيمته عن 500 مليون دولار من الأسلحة من إسرائيل بين 1980-1983، وفقًا لمعهد جافي للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب. حيث تمّ دفع الثمن في الغالب من خلال النفط الإيراني إلى إسرائيل. كما تتبعت وكالة المخابرات المركزية ما قيمته 300 مليون دولار من تلك المبيعات، ودهش العديد من ضباط المخابرات الأمريكيين لعدم رغبة إدارة الرئيس الأميركي ريغان وقف هذه العمليات.

 

الخميني: لن نرسل 10 آلاف مقاتل الى جنوب لبنان لأنّ طريق القدس يمرّ عبر كربلاء

 

خلال السنوات الأولى من الحرب العراقية الإيرانية، أعطيت للخميني فرصة كافية لإثبات التمايز بين الخطاب الإيراني والسياسة العملية. يوم 6 حزيران عام 1982، عندما غزت إسرائيل لبنان، كان عدد من قادة الطائفة الشيعية في لبنان، في اجتماع لهم في طهران طلبوا فيه العون من إيران. وأرسل الخميني بالفعل إلى لبنان عبر سوريا وفدًا رفيع المستوى بمن فيهم وزير الدفاع الإيراني وبعض قوات النخبة في 11 حزيران، لكن الخميني سرعان ما تراجع عن الأمر بعد بعد أن عرض صدام عقد هدنة مع إيران كي يحارب الطرفان إسرائيل. وكان جواب الخميني الرفض. وقد حاول كل من سفير إيران لدى سوريا، علي أكبر محتشمي بور، ورئيس فيلق الحرس الثوري الإيراني، محسن رفيق دوست، إرسال عشرة آلاف جندي إيراني إلى جنوب لبنان لفتح حرب على جبهتين مع إسرائيل، لكن ردّ الخميني كان أوامر تقضي بالعودة إلى جبهة الحرب مع العراق، معلنًا أن الطريق إلى القدس تمرّ من خلال كربلاء في العراق (راجع ص 104).

 

ويتابع الكاتب في الصفحة التالية “أكد قرار الخميني أنه قد يكون لإيران أهداف أيديولوجية مع ضمان أن هذه الأهداف لن تتحول بالضرورة إلى عمل على الأرض. فتحرير القدس ستبقى وسيلة خطابية لاكتساب الشرعية في العالم العربي، ولن تعرض أمنها للخطر في سبيل ذلك. وبحسب نائب وزير الخارجية الإيراني فائزي في مقابلة له في العام 2004 فإنّه قال أن سياستنا تجاه المنطقة كان لها وجهان؛ خشن وناعم. ونحن دائمًا نعلن وجهات نظرنا ومعتقداتنا، ولكن هذا لا يعني أننا بحاجة لتفعيل هذه الآراء عملياً”. ويتابع الشرح نائب سابق لوزير الخارجية الإيرانية، هو عباس مالكي فيقول “لول لم يتخذ آية الله الخميني في ذلك الوقت هذا القرار الإستراتيجي، فإن إيران لم يكن بمقدورها محاربة صدام .” وأضاف الكاتب بارسي “هذه السياسة للخميني إنما تدل على حاجة إيران لإمدادات الأسلحة من إسرائيل ويفضح جهوده الطموحة لتزعّم العالم الإسلامي. ربما الأهم من ذلك، أنّ الدافع وراء دعم إيران لحزب الله هو نشر مفهومها للإسلام السياسي بحسب سفير إيران في لبنان الذي قال “إذا ركزنا على لبنان باعتباره قلب البلدان العربية في الشرق الأوسط، والمنصة التي تطلق الأفكار المختلفة لبقية العالم العربي، يمكننا الاعتبار أنّ وجود حراك إسلامي سيؤدي إلى حركات إسلامية مماثلة في جميع أنحاء العالم العربي”.

 

في نفس السنة أي في شهر أيار العام 1982، وقبل شهر من بدء اجتياح لبنان، قال وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون لشبكة NBC أن تل ابيب أمدت إيران بالأسلحة والذخائر لأنه رأى في العراق خطرًا على السلام في الشرق الأوسط، وكان على إسرائيل أن تترك مجالاً لعلاقات جيدة مع إيران في المستقبل. وفي حين حافظت إيران على تجارتها بطريقة سرية مع إسرائيل قدر المستطاع، كان الإسرائيليون من جهتهم يحاولون أن يظهروا جزء من هذه العلاقة إعلاميًا بهدف تخريب علاقات طهران بالدول العربية. وقد علق شاموئيل بار المحلل السياسي الإسرائيلي “أنه يمكنك أن تتعامل مع الشيطان لكن هذا الشيطان سيبقى شيطانًا”. (راجع ص 108)

 نتابع في الحلقة الثانية

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s