هشام ناظر : سيرة لم تروَ

كتاب عن حياة هشام ناظر

المؤلف: تركي الدخيل

الناشر :  مدارك للنشر

قراءة و عرض :  نهاد اسماعيل ـ إيلاف

5 / 1

من هو هشام ناظر؟

 سيرة بحبر قليل

ولد هشام محي الدّين ناظر في جدة المملكة العربية السعودية في 31 أغسطس (آب) 1932 ودرس هشام ناظر في جامعة كاليفورنيا وحصل على ماجستير في العلوم السياسية وحصل على اول تعيين له في المديرية العامة لشؤون الزيت والمعادن وفي عام 1962، عينه احمد زكي يماني وكيلاً لوزارة النفط وفي عام 1968 امر الملك فيصل بتعيينه رئيسًا للهيئة المركزية للتخطيط برتبة وزير واحتل مراكز مرموقة عديدة حتى تم تعيينه وزيرًا للبترول عام 1986 ورئيساً لأرامكو 1988.

وفي عام 1999، أصدر كتابًا بعنوان “قوة من النوع الثالث” شرح فيه كيف استغل الغرب الاعلام وتقنيات الاتصال الحديثة للهيمنة على العالم.

لتسهيل مهمة القارئ في الغوص في كتاب “سيرة لم تروَ” تم تقسيم الكتاب الي 9  فصول. الفصل الأول والثاني يتحدث الكتاب عن الطفولة والدراسة والثالث عن تعيين هشام ناظر كوكيل لوزارة البترول، أما الفصل الرابع والخامس فيسلطان الضوء على مهندس الخطة الخمسية والهيئة الملكية للجبيل وينبع  ثم الانتقال الى وزارة البترول في الفصل السادس، وفي الفصل السابع تعيينه سفيرًا في القاهرة. الفصول المختلفة تكشف لنا عن امور تحدث خلف الكواليس لا نقرأها دائماً في الصحف. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي جذبتني للتشبث بالكتاب لآخر صفحة.

نقرأ في صفحة 50 عن حلم هشام ناظر في الذهاب الى مصر لاستكمال دراسته، حيث التحق بكلية فكتوريا للبنين في الاسكندرية. وفي صفحة 71 يروي هشام ناظر انه عام 1958 تلقى اتصالاً من الشيخ عبدالله الطريقي المدير العام لشؤون الزيت والمعادن آنذاك، يطلب لقاءه.

وفي الفصل الثالث، نقرأ عن مؤتمر الخرطوم وما شدّني وأثار اهتمامي كقارئ هنا هو ما جاء في صفحات 117 – 122

“وصل الملك فيصل الى المؤتمر على رأس الوفد السعودي، فنادى الملك رحمه الله عمر السقاف، وهو أول وزير دولة للشؤون الخارجية، وهشام ناظر وسألهما عن نتائج اجتماع وزراء الخارجية فعاجله المرحوم عمر بالاجابة: لا شيء. استغرب الملك فيصل قائلاً “كيف لا شيء؟”

ثم الى الفصل الرابع حيث نتابع ادوار هاشم ناظر حيث بعد 5 سنوات على موقعه كرئيس للهيئة المركزية للتخطيط بتاريخ 13 -10-1975 صدر امر ملكي بتعيين ناظر وزيرًا للتخطيط وبعد اسابيع قليلة تم اختياره نائبًا لرئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع، والتي كان يرأسها انذاك الأمير فهد بن عبد العزيز، ويتابع الحديث عن الهيئة في الفصل الخامس وتشعر انه فخور بهذا المشروع الضخم، حيث يشرح مؤكدًا ايمانه الدائم بأن “مشاريع الجبيل وينبع وانشاء الهيئة الملكية قبلها أفادت المملكة بقدر لا حدود له، لا من الناحية الاقتصادية فحسب، بل من الناحية المادية والسياسية وفوقها جميعًا من الناحية الفنية”.

وكم جميلة تلك الفقرة على صفحة 179:

 ليست الجبيل وحدها تسترخي “ناعسة على شط الخليج” على تعبير هشام ناظر، بل أصبحت ينبع كذلك، فيوم افتتاح المشروع فيها برعاية الملك خالد، قال هشام ناظر مخاطبًا اياه “أنت في بلد اذا عسعس ليله، عسعس على أمن، واذا تنفس صبحه، تنفس على يمن”، بضم الياء.

انتقالا للفصل السادس 

وزارة البترول

دردشة عن كرة القدم قبيل اعلان التعيين

كمهتم في الشؤون النفطية وجدت هذا الفصل مثيرًا.  ايران كانت مشاكسة وليبيا مشاغبة حتى في اواسط الثمانينات وأتسأل هل تغيّر شيء؟ ألم تواصل ليبيا المشاغبة والعبث حتى سقوط القذافي عام 2011 وألا تزال ايران تلعب دور المشاكس والمخرب في المنطقة؟

بتاريخ 29-10-1986 صدر أمر ملكي بتعيين هشام ناظر وزيرًا للبترول.

وهنا أمسك هشام بيد تركي الدخيل وروى القصة:

“ذات اربعاء وعند الساعة الحادية عشرة مساء اتصل بي الملك فهد رحمه الله، تحدث معي عن أمور كثيرة حتى وصل الحديث عن كرة القدم— وعند الواحدة صباحاً واثناء نشرة الاخبار قرأ المذيع أمرًا ملكيًا يأمر بتكليفي وزيرًا للبترول بالنيابة بالاضافة الى موقعي وزيرًا للتخطيط.

انتقال هشام ناظر الى وزارة البترول عام 1986 كان حدثًا استثنائيًا وليس مكافأة. جاء التعيين في وقت صعب جدًا داخل أوبك بل ايضا تحديثات تواجه الاستثمار في مرافق التكرير والتوزيع في الولايات المتحدة وكوريا واليابان بل تحويل صناعة البترول الى كفاءة. كرئيس لمجلس ادارة آرامكو كان ناظر مهتمًا بخفض مصاريفها ورفع ربحيتها. كمثل بسيط على رفع الكفاءة والمقدرة هو شراء وبناء 23 سوبر تانكر أي ناقلات بترول عملاقة.

 9 ديسمبر 1986 اجتماع اوبك انتصار للسعودية:

مارس وزير النفط الايراني  الضغوط مطالبًا بالعدالة في توزيع الحصص، ثم انتقل الوزير الايراني ليتحدث عن العراق ويتهمها بعدم الالتزام بالحصص. وتعليقي ايران تحتل العراق الآن وربما لها الكلمة الفصل بما يتعلق بانتاج النفط العراقي الآن. ويتحدث هشام الناظر عن لقائه بصدام حسين. ولصدام حسين مطالب كثيرة.

ويلفت الدخيل انتباهنا الى أهم المحطات في حياة الشيخ هشام ناظر ومنها احتلال العراق للكويت بتاريخ 2 أغسطس آب 1990 للتفاصيل الكاملة للملابسات والتوابع انصح بالرجوع لصفحات 234 – 236.

 

ديبلوماسي في عين العاصفة:

والى مصر الكنانة سفيرا (الفصل السابع)

بكلمات هشام ناظر في 15 فبراير شباط 2005 زرت الأمير سعود الفيصل (رحمه الله) في وزارة الخارجية في الرياض وأعلمته بأنني سأقبل التعيين”. في تلك الفترة كان العالم العربي يمر في واحدة من أصعب أيامه.

ففي فلسطين، تجاهل تام من قبل المجتمع الدولي، وقتل يومي وتهجير.

وفي العراق قتل يومي أيضًا وتدمير ممنهج.

وفي سوريا وايران توترات وضغوط عليهما كان بعد اعادة انتخاب جورج بوش الابن.

لبنان: اغتيال رفيق الحريري.

وفي مصر بدأت بذور الربيع العربي في نظري عندما نقرأ على صفحة 270 مظاهرات شعارها كفاية بسبب التمديد لحسني مبارك.

 تعليقي يا ليته تنحى في ذلك الوقت.

الفصل الثامن: مع خمسة ملوك أحبهم وأحبوه

كان هشام ناظر محل تقدير ملوك السعودية فيصل وخالد وفهد وعبدالله (رحمهم الله).. كما كان على صلة وثيقة ومنذ وقت مبكر بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز

يذكر هشام ناظر انه في اليوم الذي تم اغتيال الملك فيصل فيه كان يجري مقابلة مع قناة بي بي سي البريطانية فدخل عليه احدهم مطلعًا اياه على الخبر المشؤوم. فترك المقابلة وذهب فورا الى قصر الملك ويتذكر لحظة بكاه بألم ولحظة قام اصدقاؤه بالتهدئة من روعه.

 في اللحظة التي يبدأ فيها هشام ناظر بالحديث عن الملك خالد يفتتح حديثه بجملة عنه “كان طيبًا وكريمًا طيب الله ثراه”

ولعل أطول فترة قضاها هشام من بين الملوك الخمسة كانت مع الملك فهد. استمرت علاقة ناظر مع الملك فهد بعدها عندما عُيّن وزيرًا للتخطيط، وعن علاقته بالملك عبدالله يذكر هشام ناظر أن اللقاء الأول  مع الملك عبدالله والذي اتاح له التعرف عليه حصل في منزل الأمير ماجد بن عبد العزيز في الرياض. وعن الملك سلمان يقول هشام ناظر بأن الملك كان يومًا أميرًا للرياض، لعب دورًا مهماً في تثبيت صورته في اذهان الناس وهو تثبيت استحقه بجدارة لأنه كان كريمًا، وبابه مفتوح لمساعدة الناس.

وفي ختام الكتاب نقرأ امثلة من كتابات هشام ناظر. ويقول الدخيل إن ناظر لم يسمح للمسؤولية التي تقلدها ولا للمناصب التي تولاها ان تمنعه من الكتابة’

ومثل على كتاباته الموجهة لصغار السن: ان ربيعهم الذي يعيشون فيه لن يستمر، وبأن عليهم قطف وروده وشمها ذخيرة لما سيأتي لاحقًا في الحياة، وهناك أمثلة كثيرة اخرى في الصفحات 380 الى 391.

توفي هشام ناظر يوم السبت 14 نوڤمبر 2015 في الولايات المتحدة.

لقد أنصف تركي الدخيل المرحوم هشام ناظر في كتابه “سيرة لم ترو”، وأعطاه حقه من التقدير بفتح ملفات وروايات وجوانب من حياة وشخصية هشام ناظر لم تكن متداولة على نطاق واسع، ولكنها ستهم القارئ العربي وفي رأيي المتواضع الكتاب قراءة الزامية لمن يهتم في الشأن السعودي والصناعة النفطية السعودية ومشاريع التنمية والتطوير والشخصيات التي تفاعل معها هشام ناظر من ملوك ووزراء وخبراء وديبلوماسيين في حياته الوظيفية. ولا بد من القول أخيرًا ان هشام ناظر ترك بصمات قوية على صفحات التاريخ السعودي الحديث. والشكر لتركي الدخيل لتجميع مادة دسمة تستحق الدراسة تغطي ستة عقود من حياة هشام ناظر المليئة بالحيوية والنشاط والمساهمة في بناء الاقتصاد السعودي من خلال الأدوار الهامة التي لعبها.  وتبوّأ ناظر مناصب مهمة وحساسة في فترة حرجة. كان هشام محيي الدين ناظر أول وزير للتخطيط في المملكة بعد رحلة طويلة من العمل المتواصل في خدمة بلده  سواء في قطاع البترول.. أو التخطيط.. أو العمل السياسي والدبلوماسي..

 5 / 2

تركية… وعربية

يتناول تركي الدخيل في الفصل الأول من الكتاب طفولة هشام ناظر ومراحل دراسته وأحلام الدراسة والتجارة والاخوة والعائلة وعلاقته بوالده وقصص كفاحه ونجاحه.

في هذا الفصل، يتحدث هشام ناظر عن جذور عائلته قائلًا إن العائلة، من حيث تكوينها الأساس، تركية التعليم واللغة، بمعنى أن الأجداد الأولين لعائلة الناظر وصولا إلى أعمامه ووالده كانوا كلهم، مجتمعين، يتحدثون التركية، إضافة إلى العربية، بسبب تعلمهم جميعًا في مدارس الدولة العثمانية خلال حكمها. ثم يصل المطاف بعمه ووالده إلى جده ليبدأ فرع جديد من عائلة الناظر يتفرع ويزداد في السعودية.

وعن أبيه محي الدين، رحمه الله، يقول هشام ناظر: “أمور كثيرة حين أستذكرها في والدي، أجد أني استضيء بها في طريق هذه الحياة، ويتحدث هشام عن علاقة والده الروحانية وارتباطه بالصلاة. حتى أن ارتباط والده بالتجارة كان لأهداف لا علاقة لها بالربح المالي، بل بقصد التهيؤ للصلاة، أي للوضوء قبل ذهابي إلى المسجد، وبقصد مقابلة اصدقائي واجتماعي بهم هنا في الدكان”.

كانت علاقة هشام بوالده استثنائية، لكن ليس على حساب علاقة الأب ببقية الابناء، على الرغم من أنه عيّن وصيًا على اخوته وهو في الثانية عشرة.

تعلم هشام من والده الحلم مقابل الغضب والكرم مقابل البخل والصبر مقابل التسرع والأدب مقابلة قلّة الأدب.

 

مواهب مبكرة

ألقى هشام ناظر قصيدة في حضرة ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز رحمه الله، عندما جاء في زيارة لتفقد جده، وكان حينها في الرابعة عشرة. أنشد:

عن أي ثغر منك يا أعمار بسم الزمان فبان منه وقار

سل ثغر جدة هل هوت عن فلجه شفة وهل نرضى لها تنهار

الموج يرقص والشواطئ تنتـ ـشي والشعب للأمل الصبوح مثار

وانهى القصيدة بالبيت الآتي:

والملك والشعب الوفي توائم   يرعى بنوتها لها الأبرار

لقيت القصيدة اعجابًا كبيرًا. وحين التقى بسكرتير الأمير آنذاك، الاستاذ عبد الله بن عمر بلخير رحمه الله، قال له: “لقد سعد سمو الأمير بقصيدتك، وهو يحب اكرامك فماذا تطلب؟”. اجابه هشام انه يريد أن يتعلم، فالدراسة حلمه. والجميل هنا كان جواب هشام الفوري من دون أي تنسيق أو تشاور مع أحد.

وكان الوالد محي الدين حريصًا جدًا على تعليم اولاده، يعلمهم الانكليزية في المنزل، وأدخلهم جميعًا مدرسة “الفلاح”، وكانت أول مدرسة نظامية خاصة في الجزيرة العربية. يروي هشام: “كانت تجربتي طالبًا في مدرسة الفلاح تجربة ممتازة. درست على أيدي اساتذة عظام”.

حلم الدراسة

كان النجاح الذي حققه هشام في “الفلاح” نجاحًا صلبًا، فتح له نوافذ كثيرة، ثم حقق حلمه في استكمال دراسته في كلية فيكتوريا بمصر.

يقول هشام: “في عام 1948، انتقلت إلى فيكتوريا في الاسكندرية، لكن بعد اجتياز امتحان الدخول بنجاح وهو امتحان باللغة الانجليزية”. هناك عاصر هشام ناظر زملاء مثل الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال رحمه الله. ويتابع هشام: “قضيت ست سنوات كانت من امتع سنوات حياتي. نافست اولاد الملوك والنخب آنذاك”. وبعد الانتهاء من فيكتوريا، عاد هشام إلى جدة حاملًا شهادة نجاح وحلماً جديداً، هو استكمال الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، ثم أكمل دراسته الجامعية في جامعة كاليفورنيا، “فدخلت جامعة كاليفورنيا واصابني الذهول، طرائق التفكير والتواصل والنضج المقيم في عقول الطلبة”.

هوى هشام ناظر دراسة الهندسة المعمارية، لكنه قرر في لوس انجليس التوجه نحو دراسة العلوم السياسية. ونقل الدخيل كلام هشام ناظر في الصفحة 59 في كتابه: “كان أكثر أحد زادني حماسًا في التوجه نحو دراسة العلوم السياسية هو القنصل الاسرائيلي في لوس انجلوس. وكان يتمتع بنشاط استثنائي في مديح دولته وشتيمة العرب والنيل منهم”. فأقسم هشام بالله أن يتعلم مثله ويرفع اسم بلاده عاليًا. ووفى بقسمه في السنوات اللاحقة كما سنرى، ورفع اسم السعودية عاليًا.

حصل على بكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بمرتبة الشرف في عام 1957، على الماجستير في الاختصاص نفسه في عام 1958، ووصلته رسالة من عميد الجامعة يذكر له فيها بأنه لاحظ حصوله على مرتبة الشرف في تخصصه، وبأن الانجاز الأكاديمي الذي أنجزه قد لفت النظر اليه.

 

يبحث عن وظيفة

في ثاني فصول الكتاب، يعود هشام إلى رحاب الوطن، ويزور وكيل وزارة الخارجية الاستاذ محمد محتسب ليستفسر عن وظيفة. أجابه حينها أنه ليست لديهم وظيفة شاغرة، وعليه أن يبحث في مكان آخر. ثم تلقى هشام اتصالاً من الشيخ عبدالله الطريقي، المدير العام لشؤون الزيت والمعادن آنذاك، يطلب لقاءه بسبب تهنئة في جريدة لشاب متعلم وقعت عليها عين الطريقي نفسه. يقول هشام ناظر: “عرض عليّ عملاً في المديرية فوافقت. وبعدها، أتى جواب تعييني رسميًا بقرار صادر عن الملك براتب مقداره 1500 ريال”.

في عام 1959، عُقد مؤتمر البترول العربي الأول في القاهرة، وكان هشام ضمن الوفد السعودي. كانت هذه مشاركة هشام ناظر الأولى في المؤتمر، والميزة الأهم تمثلت في هدف رامه ممثل المملكة آنذاك الشيخ عبدالله الطريقي رحمه الله، وهو وجود منبر للمملكة العربية السعودية لايصال صوتها واستراتيجيتها المتعلقة بالبترول.

يلفت تركي الدخيل انتباهنا إلى نقطة حساسة جدًا، وهي أن الذين تحدثوا باسم السعودية كانوا خبراء أجانب، وإلى مشاركة فنزويلا غير العربية في المؤتمر. فقد استفسر هشام عن مشاركة فنزويلا من الشيخ عبدالله نفسه، فأجابه: “يا هشام حضور فنزويلا أمر مهم جدًا بوصفها دولة غربية، اذ يعطي مصداقية لعملنا”. أهمية ذلك المؤتمر كان قرارًا غير رسمي بانشاء “أوبك”. يستطرد ناظر: “قرر الشيخ عبدالله الطريقي أن يرسلني إلى فنزويلا لتحصيل بعض العلوم في مجال البترول”. وهذا مهم جدًا، لأن قرار إرسال هشام إلى فنزويلا كان ضمن استراتيجيا قرر الوزير الطريقي اعتمادها لانشاء وتطوير جهاز بشري يستطيع ادارة قطاع البترول في المملكة.

 

تأسيس أوبك

من المنعطفات المهمة في سيرة هشام ناظر التي أبرزها الكتاب كانت أوبك، وفي الصفحة 82 من الكتاب: الطريق إلى التأسيس. يعود فضل تأسيس أوبك إلى رجلين اثنين، هما بيريز الفونزو، وزير البترول الفنزويلي، الذي قدم الترشيد والتبرير، وعبدالله الطريقي، المتحدث ذو الكاريزما.

قدّم المبادرة البروفسور رسول سوكاربي، الأستاذ في جامعة يوتا، واضح أن التفكير بتأسيس أوبك بدا في عام 1959 خلال مؤتمر القاهرة.

وصل الطريقي إلى فنزويلا على رأس وفد سعودي انضم اليه هشام ناظر. وهناك، شارك ناظر شخصيًا في وضع النظام الأول لأوبك. تبع ذلك اجتماع مهم جدًا في بغداد في 14 أيلول (سيبتمبر) 1960، حضرته السعودية وفنزويلا والكويت والعراق وايران وقطر بصفة مراقب، وتم تأسيس أوبك لمواجهة شركات النفط الدولية.

وواضح من التفصيلات الواردة بما يتعلق بأوبك أن الأهم هو حماية الأسعار التي تتحكم بها الشركات الأجنبية، علمًا أن احد أهداف أوبك هو وضع نظام يكفل استقرار الأسعار وخلق منظمة البلدان المصدرة للبترول للتشاور المنتظم بين اعضائها، بهدف توحيد سياسات الاعضاء وتنسيقها. وجاء التكليف الأول بتعيين هشام ناظر محافظ المملكة في أوبك بعد فترة قصيرة من تأسيسها.

 

دون ذلك عقبات

الصفحة 93 من كتاب الدخيل مهمة جدًا، إذ يقول فيها: “اذا كان الدافع وراء انشاء اوبك لجم انخفاض الأسعار (…) لعل اللافت في الأمر أنه وبعد تأسيس أوبك لم ترتفع الأسعار سنتًا واحدًا ولمدة عشر سنوات متواصلة، وهذا يعني في ما يعنيه أن هذه المنظمة لم تقم بالدور الذي كان مفترضًا أن تقوم به: رفع الأسعار”.

وهذا يعود، وفق ما يعتقد هشام ناظر، إلى أسباب كثيرة، منها أن الدول الأعضاء قضت وقتًا طويلًا جدًا تفكر في أساليب المواجهة، وقضت وقتًا طويلاً تتفاوض على كثير من الأمور المتعلقة بـ “أوبك”، ثم يأتي الاستنتاج الصريح والخطير في صفحة 94. يقول ناظر: “إن وضع المملكة كان قد يكون أفضل لو بقيت خارج أوبك، هذا لا يعني أن تحولنا عضواً فاعلًا فيها قد جلب لنا الضرر، لكنه لم يعد علينا بالنفع”.

نرى مشهدًا حافلًا بالتناقضات… يقول هشام ناظر هناك دولة كبيرة ذات قدرة انتاجية ضخمة جدًا هي المملكة العربية السعودية، وهناك دول أخرى انتاجها جيد عالميًا. لكن حين تقوم بمقارنة انتاجها بانتاج المملكة تقف مذهولًا، اذ تستحيل مقارنة الانتاجين. المسألة الأخرى الغريبة، هي عدم انضمام جميع منتجي البترول حول العالم إلى أوبك.

نكتشف في الكتاب أن الخلافات بين الدول الاعضاء لتقسيم نسب الانتاج تظهر مشكلة جديدة، فيبدأ الخلاف على الحصص. يكشف هشام ناظر أن أيًا من الدول لم تلتزم بنسب الانتاج، الا السعودية التي طالما التزمت مع خروقات تعد على أصابع اليد. ويكشف أيضًا أن دولًا كثيرة ليست أعضاء في أوبك، قامت بزيارة المملكة للاتفاق على نسب الانتاج. ومن الواضح أن عددًا من الدول الأعضاء لم يلتزم بنسب الانتاج المتفق عليها.

لا نلوم القارىء اذا هز رأسه قائلًا: “والآن بعد خمسة عقود لم يتغيّر الوضع كثيرًا”.

وتأييدًا لوجهة نظر هشام ناظر، يستشهد تركي الدخيل بما جاء في كتب ايانسيمور، يقول: “واقعًا لا تستطيع أوبك ادعاء اكثر من انجازين فقط في سنواتها الأولى، فهي استطاعت أن تجعل الشركات أكثر حذرًا ازاء اتخاذ أي قرار أو خطوة من جانب واحد، دون التشاور مع الدول، وأن الشركات لا تجرؤ على خفض الأسعار دون التي تم نشرها، مرة أخرى”. ولحدود أبعد من ذلك، أدى كثير من الأسباب إلى تقييد قدرة المنظمة على إنجاز الكثير في العقد الأول. وعن الخلافات التي اثارتها ايران التي اشار اليها الوزير ناظر، يقول سايمور: “ايران أثارت الخلافات بسبب رغبة الشاه محمد رضا بهلوي زيادة ايراداته من النفط بسرعة”.

يقول الدخيل: “لا ينسى ناظر أن يعطي مثالاً على العراقيل، وهو أن ايران أصرت على أن يكون السكرتير العام ايرانيًا، وبأن اصرارها لم يواجه بأي اعتراض على الاطلاق، بل تمت الموافقة عليه فورًا”، وذلك بسبب حاجة كل أحد للآخر في مواجهة الشركات وفي حاجتهم لتأسيس “أوبك” من دون مشاكل.

ولا تنتهي قصة أوبك هنا، مع تعيين هشام ناظر وكيل وزارة البترول لاحقًا، والوزير في مرحلة أخرى… ولاحقًا يتحدث بلسان الوزير.

في الحلقة الثالثة نتابع: “من بغداد إلى الخرطوم والخطط الخمسية والهيئة الملكية للجبيل وينبع”

وبعد تعيينه وكيل وزارة، حضر هشام ناظر مؤتمر بغداد الذي عقد بعد هزيمة 1967، ورئيس الوفد السعودي الأمير مساعد بن عبد الرحمن وزير المالية آنذاك، وضم وزير البترول احمد زكي يماني، وهشام ناظر. ويروي ناظر موقف الثوريين الذين ينادون بقطع البترول وبين المنتجين. كان واضحًا لهشام ناظر أن الانقسام بين الفريقين ولّد سجالًا بين الرجعيين والثوريين، لكن النفط سلاح ذو حدين، ووجهة نظره أن وقف تصدير البترول سيأتي بالضرر على المنتج والمستهلك..

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s